العنف ضد المرأة.. مفهومان منفصلان

رفيف رضا صيداوي

2004 / 7 / 17

1- الاطار النظري لتشكل مفهوم العنف ضد المرأة في العائلة

ارتبط مفهوم العنف ضد المرأة عموما، بالتحولات التي طرأت على مفهوم التنمية، بعدما كانت التنمية بداية محصورة بالنمو الاقتصادي، وذلك قبل ان يُنـظر اليها لاحقا انطلاقا من رؤية اقل اقتصادوية بدأت بالتشكل عام 1995 من خلال مقولة التنمية البشرية ثم مقولة التنمية المستدامة التي وفقت، او جمعت، بين اعتبارات زيادة الانتاج والانتاجية، وتحقيق العدالة والتمكين الاجتماعيين من جهة، وتوسيع خيارات الناس ومشاركتهم في مسيرة التنمية وتأمين استدامة العمل الانمائي من جهة اخرى.

ففي سياق التنمية المحصورة بالنمو الاقتصادي، ارتبطت قضايا المرأة بإكسابها بعض الحقوق التنموية وبإكسابها كذلك حصتها من عملية التنمية. اما الاتجاهات الاكثر راديكالية فعولت على تحرير المجتمع بصفته الطريق المؤدية الى تحرير المرأة. لكن هذه الاتجاهات التي لا تخلو من صحة اصطدمت بجملة عوائق منها: فشل البلدان العربية في تحقيق عملية التنمية لأسباب عدة لا مجال للتوقف عندها في هذا المجال، فضلا عن البنية البطركية لهذه المجتمعات التي تسودها تراتيبة هرمية تستند الى سلطة المال والجنس والعمر والمكانة الاجتماعية. هذه التراتبية الهرمة التي تسود العام والخاص، الجماعة والفرد، جعلت الهوة واسعة بين الحكام والمحكومين، بين الطبقة الادنى والطبقة الاعلى منها، بين المرأة والرجل، كما بين الاصغر والاكبر سنا... الخ

وفي ظل عدم توافر الشروط اللازمة لتحرير المجتمع واقتصار قضايا المرأة على مشكلات التمييز السياسي والاقتصادي، شكل اتفاق "القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة" الصادر عام 1979 الصك القانوني الدولي الرئيسي المتعلق بحقوق المرأة في حد ذاتها.

فكان هذا الاتفاق تمهيدا لنقلة نوعية في النظر الى قضية المرأة من كونها موضوعاً الى اعلاء قيمتها كذات. اي ان التقدم الذي تم احرازه تمثل في الانتقال من "المرأة في التنمية الى المرأة والتنمية" (1).

غير ان التمهيد لهذه النقلة النوعية اقتضى تعزيز مكانة المرأة، وذلك بالعمل مع المرأة نفسها ومن اجلها. ما ولّد اشكالية تتمثل في حدود نجاح هذه الاستراتيجية المستندة الى المرأة فقط. الامر الذي قاد، تاليا، الى البحث في مفهوم الجندر وعلاقته بقضية العنف ضد المرأة في العائلة.

1-:1 ماذا عنى مفهوم الجندر؟

جندر كلمة انكليزية تنحدر من اصل لاتيني Genus "تعبر عن الاختلاف والتمييز الاجتماعي للجنس، وتصف الادوار التي تعزى النساء والرجال في المجتمع والتي لا يتم تعيينها بواسطة الحيثيات البيولوجية، وانما بواسطة المعطيات الهيكلية والفردية والقواعد الثقافية ومعاييرها ومحظورتها. فالادوار الجنديرية (بحسب هذا التعريف) تتفاوت بين ثقافة او حضارة واخرى وهي قابلة للتغيير والتطوير" (2).

وعليه، تعتبر مرجعية الجندر ان "عملية تعزيز مكانة المرأة هي احد العناصر اللازمة للتوصل الى المساواة بين الجنسين، وان التمييز الذي قد تم تشييده اجتماعيا وتاريخيا يؤثر بدوره في حياة كل من الرجل والمرأة. كما انها تعترف بالفوارق بين الجنسين، وتعتمد في عملها على اشراك الرجال والنساء معا لمعالجة موضوع الجندر في عملية التنمية" (3).

وفي تعريف آخر يعني الجندر" اختلاف الادوار (الحقوق والواجبات والالتزامات) والعلاقات والمسؤوليات ومكانة المرأة والرجل، والتي يتم تحديدها اجتماعيا وثقافيا عبر التطور التاريخي لمجتمع ما وكلها قابلة للتغيير" (كوثر، 1995).

على هذا تتحدد احتياجات النوع الاجتماعي الاستراتيجية Strategie Gender Needs (SGN) بتجاوز الادوار الحالية للمرأة والرجل بغية ترقيتها والوصول الى اقصى عدالة وانصاف ممكنين بين النساء والرجال. وتتضمن هذه الاحتياجات من المدى الطويل مثلا: أمن المرأة الشخصي وحمايتها من العنف، وازالة جميع اشكال التمييز في المجال المالي والثقافي بالمعنى الشامل، وتقليص اعباء العمل في المنزل، والتقسيم العادل في مجال العمل عموما... الخ، مما يعني ان مفهوم الجندر يأخذ في الاعتبار علاقة الرجل والمرأة وليس المرأة فقط، وعلاقة كلا الجنسين بالمجتمع. وهو لذلك - اي مفهوم الجندر - ساهم في التعبير عن هموم النساء الفردية والجماعية بصفتها خصوصية محددة بالنظام الاجتماعي البطركي وثقافته السائدة التي تكرّس التمايز واللامساواة بين الجنسين.

وفي اتاحته امكان اختراق البنى المجتمعية كافة، من اصغر وحدات هذه البنى الى اكبرها، سمح مفهوم الجندر بمواجهة الخطاب الابوي وباختراق المسكوت عنه، اذ سهل هذا المفهوم بناء خطاب نسوي يعبر - كما سبقت الاشارة - عن الهموم الفردية والجماعية للنساء بصفتها هموما مغيبة لطالما كان يجري طمسها والسكوت عنها. ولقد احدث ذلك انقلابا ثوريا في الاطار المفاهيمي والنظري الخاص بقضايا المرأة على المستويات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية كافة. من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، افادة هذا الخطاب النسوي من تيارات ما بعد البنيوية في العلوم الانسانية تمثلت بتوظيف الاطر النظرية التحليلية التفكيكية والبنائية لجان لاكان ودريدا وبارت وألتوسير وفوكو وسواهم... من اجل تغيير المنهج السائد في قراءة التاريخ، كتوجيه هذه القراءة من شكلها التسلسلي التعاقبي التأريخي مثلا، الى قراءة نقدية تفكيكية تذهب الى تقصّي كيفية تشكيل المعاني وتكوّنها، الموصلة بدورها الى تلمّس وظافة هذه المعاني fonctionnement ووظيفتها الايديولوجية.

وفي هذا السياق شكل مفهوم العنف ضد المرأة في العائلة احد عناصر هذا الخطاب النسوي الآيل، من منظار الجندر، الى الطعن بالتمييز القائم بين العام والخاص، وذلك بتحرير ظاهرة العنف ضد المرأة في العائلة من اطار المحرمات الذي ادرجتها فيه الثقافة الابوية لعقود خلت. مع الاشارة الى تشديد هذه الثقافة الابوية على تغييب العنف على اساس الجنس.

2- بين العنف ضد المرأة في العائلة والعنف المنزلي

رافق العديد من المشكلات مسألة نقل قضية العنف الممارس ضد المرأة من الشأن الخاص الى الشأن العام. ويعود ذلك في الدرجة الاولى الى طبيعة مجتمعاتنا العربية الابوية التي تحاصر المرأة بقيود قانونية واجتماعية وتمنح الامتيازات للرجل وحده. اذ تتمثل الذهنية الابوية اول ما تتمثل - حسب شرابي - "في نزعتها السلطوية الشاملة التي ترفض النقد ولا تقبل الحوار الا اسلوبا لفرض سيطرتها (...) الذهنية الابوية (والابوية المستحدثة علمانية كانت ام دينية، لا تستطيع تغيير موقفها لأنها لا تريد ان تعرف الا حقيقتها، ولا تريد الا فرضها على الآخرين، بالعنف والجبر إن لزم الامر" (4). ولعل ابرز المشكلات القائمة في سياقنا الثقافي العربي تتمثل في اعتبار مفهوم العنف هذا مفهوما نسويا بالمعنى التعصبي او العصبي للجنس، ناتجا عن التأثر بالغرب الاستعماري ومقولاته الفكرية التي جرت العادة على نقلها نقلا ميكانيكيا، لاسيما ان هذا المفهوم قد صيغ لأول مرة في صك دولي لحقوق الانسان من خلال الاعلان العالمي في شأن القضاء على العنف ضد المرأة، الصادر عام 1993.

لقد نشأت هذه المشكلة نتيجة التغاضي عن الخلفية النسوية لهذا المفهوم، اي الخلفية ذات المنظار الجندري المدافع عن المرأة كجنس، لكن ليس من منطلق عصبي على الاطلاق، وانما من منطلق الاحتياجات الرامية الى حماية المرأة من العنف في المجتمع وفي العائلة كاستراتيجيا من استراتيجيات تحقيق العدالة والمساواة بين الجنسين. اذ ان تحقيق هذه العدالة يستند من منظـار الجندر، الى العلاقة بين الرجل والمرأة، في ضوء الثقافات المختلفة القابلة للتغيير حسب الازمنة والامكنة.

فبالاضافة الى علاقات القوى والسيطرة الابوية - البطركية الطبقية، ترتبط اسباب العنف ضد المرأة بمسألة الكيان الجنسي للأنثى. وغالبا ما يُستخدم العنف ضدها كوسيلة للتحكم في سلوكها الجنسي، ومن هنا اتخاذ العنف ضد المرأة في كثير من الاحوال مظهرا جنسيا، كتشويه الاعضاء الجنسية للانثى والاغتصاب وما شابه. بحيث يغدو الخطاب النسوي، المستند الى منظار الجندر، خطابا كاشفا للعوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية والقانونية المؤثرة على العلاقة بين النساء والرجال. ولعل قدرة هذا الخطاب على كشف ما كان مستوراً او مغيّباً هي التي أتاحت له تعيين أحد الابعاد الكامنة وراء العنف المتمثّل بمسألة الكيان الجنسي للمرأة.

وفي هذا السياق لا وجود لعصبية نسائية بل لخطاب ولاستراتيجيا موجهين ضد السلطة الابوية التي غالباً ما تكون على حد قول هشام شرابي "ظاهرة وخفية في آن واحد، نراها ونحس بها أينما كنا وأينما توجهنا" لانها "تحكم علاقتنا المباشرة وغير المباشرة، وتُخضعنا في أعماق أنفسنا"(5). هذه السلطة الابوية التي أنتجت تصورات نمطية حيال دور كل من الرجل والمرأة، تقوم، فضلاً عن ذلك، بتكريس هذه التصورات عبر شرعنة العنف ضد المرأة في العائلة كآلية من آليات اعادة تكريس هذه التصورات النمطية. فالاضطهاد الجندري بحسب سميث، ونقلاً عن عزة بيضون في كتابها نساء وجمعيات، ،2002 "لا يشبه اشكال الاضطهادات الاخرى، ولا يتسم بالوضوح الذي يتسم به الاضطهاد العرقي والاتني والطبقي وغيرها. (لأن) الجندر يتأسس، في وجه رئيسي من وجوهه، في اطار شخصي حميم: في الرومانسية والجنسانية والزواج. هذه الانشطة، التي تبدو وكأنها خاصة ومحددة على نحو شخصي، تنحو لأن تجعل الاصول الاجتماعية للجندر غير منظورة وغائبة"(6).

ولعل ابرز العوامل التي تساهم في إثارة المشكلة حول البعد العصبي لمفهوم العنف ضد المرأة في العائلة يقوم، من وجهة نظري على الاقل، في الخلط بينه وبين مفهوم العنف المنزلي بصفتهما مفهومين يحيلان على مدلول واحد. العنف المنزلي بحسب المعايير الدولية وبحسب استخدامه في الادبيات الحديثة "هو شكل من اشكال العنف التي تصيب المرأة لاسباب تتعلق بالجنس والتي تقع في اطار الاسرة وفي اطار العلاقات المتبادلة بين الاشخاص"(7)، و"العنف المنزلي بصفته عنفاً يقع في النطاق المنزلي ويقترفه طرف خاص او حكومي، يشكل انتهاكاً لحقوق الانسان للمرأة"(8). في هذا التعريف الشائع للعنف المنزلي يجري اختزال العنف وحصره بالمرأة فقط، عبر تغييب مختلف تقاطعات السلطة الابوية الطبقية التي تخترق العائلة وتعيد تشكيل موازين القوى داخلها بحسب المكانة الاجتماعية والاقتصادية والعمرية وغيرها من العناصر الفاعلة في اطار العلاقات المتبادلة بين افرادها.

لقد انطلق الكلام على العنف المنزلي من الخلفية النظرية عينها التي سوّغت الكلام على العنف ضد المرأة في العائلة، لاسيما بالاستناد الى "الطابع المحدّد الجنس للعنف داخل العائلة"، وهي الحجة التي استند اليها الاعلان العالمي للقضاء على العنف المسلّط على النساء. فعرّف هذا الاعلان - المنبثق عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة بموجب التوصية عدد 48/104 المؤرخة في 18 كانون الاول 1993 - العنف ضد المرأة بأنه "اي فعل عنيف تدفع اليه عصبية الجنس ويترتب عليه، او يرجح ان يترتب عليه، أذى او معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية او الجنسية او النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل او القسر او الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة او الخاصة".

كما وضحت الفقرة الاولى من الفصل الثاني العائد للاعلان المذكور أعلاه ان العنف ضد النساء في نطاق العائلة يشمل - على سبيل الذكر لا الحصر - "العنف البدني والجنسي والنفسي الذي يحدث في اطار الاسرة، بما في ذلك الضرب والتعدي الجنسي على اطفال الاسرة الإناث، والعنف المتصل بالمهر، واغتصاب الزوجة، وختان الإناث وغيره من الممارسات التقليدية المؤذية للمرأة، والعنف غير الزوجي والعنف المرتبط بالاستغلال".

كما استند الكلام على العنف المنزلي الى الابحاث والبيانات والاحصاءات عينها التي استند اليها الكلام على العنف ضد المرأة في العائلة، وتحديداً تلك الاحصاءات والبيانات المشيرة الى تعرّض المرأة اكثر من الرجل للعنف داخل العائلة. الا ان ذلك لا يسوّغ توحيد المفهومين بجعل العنف المنزلي هو هو العنف ضد المرأة في العائلة، او استبدال أحد هذين المفهومين بالآخر. ومن هنا اقتراحي تجنّب هذا الخلط، لاسيما أن العنف ضد المرأة في العائلة، كما العنف ضد الطفل والمسنّ والمعوّق والعنف الزوجي وسوى ذلك من أنماط العنف، هي جميعها علاقات تندرج في العنف المنزلي، في حين يصعب اختزال العنف المنزلي الى مستوى واحد من هذه المستويات العلائقية التي يسودها العنف.

** هوامش:

1- من مقدمة مرشد العمل في القضايا الجندرية، مؤسسة فريدريش ايبرت، عمان 2002 .

2- المرجع السابق نفسه، ص 9.

3- المرجع السابق نفسه، ص 10.

4- شرابي، هشام، النظام الابوي واشكالية تخلف المجتمع العربي، ط،4 بيروت، دار نلسن، ،2002 ص 27.

5- شرابي، هشام، النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين، ط،2 بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ،1999 ص9 .

6- بيضون، شرارة عزّة، نساء وجمعيات لبنانيات بين انصاف الذات وخدمة الغير، ط،1 بيروت، دار النهار، ،2002 ص55 .

7- الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 1996 .

8- الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 1996.


http://www.rezgar.com/ <
الحوار المتمدن

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=20777